المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نفحات في شعر أبو تمام الطائي


rarkou
28-04-2010, 07:32
بســم الله الـرحمــن الرحيــم

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاته :

أبو تمـّـام الطـّـائـي
188 - 231 هـ

يمثـّل أبو تمّام مرحلة متطوّرة في مسيرة الشّعر العربي ، حقاً لقد سبق أبا تمّام عددُُ من الشعراء الذين أسهموا إسهاماً بيّناً في تطوّر الشعر العربي في نطاق المرحلة العبـّاسيّة ، من أمثال مسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي العتاهية والعتابي والخريمي ، غير أن أبا تمام قد مثـّل نقطة ذروة من تلك الذرى التي كان الشعر العربي يصل إليها في عدّة فترات زمنيّة على يد شعراء أعلام ، ثم لا يلبث بعدها أن ينحدر إلى السّفح متى مات هذا الشاعر أو ذاك .

لقد طرق أبو تمام كلّ موضوعات الشعر تقريباً وقدّم فيها معاني جديدة من قدح الفكر ، وألواناً بهيجة من كدح الخاطر ، الأولى يمكن أن نطلق عليها شعرالفكرة والثانية تتمثـّل في تطوّر الصّنعة الشّعريّة أو بالأحرى في نموّها والإيغال في استحضارها وإبرازها بشكل موسّع لم نعهده في الشعر العربي قبل أبي تمّـام .

نســــــبُه :
ولكن من هو أبو تمـّام ذلك العَلم في دنيا شعرنا الـّذي ملأ سماءه فنـّاً قصُر عن إدراكه جمهرة من شعراء العربيّة ، ولم ينصرف عن مخلـّـفاته تاركاً للمتأدّبين إصدار أحكامهم عليها وإنـّما هو قد استبق الزّمان إلى الحكم عليها وتمجيدها وتزيينها والخيلاء بها على ما سوف نبيّن بعد قليل .

لقد اختلف المؤرّخون اختلافاً بيّناّ في أصل أبي تمـّام وفي مكان ولادته ، إنّ أبا الفرج الأصبهاني يذكر أنّ أبا تمـّام من نفس طيء صليبة ، واسمه حبيب بن أوس ، وكذلك يفعل ابن خلكان ويعدّد جدوده حتى يصل به إلى طيء ثم إلى قحطان ، وأبو الفرج يجعل ولادته ونشأته بقرية يقال لها جاسم بناحية منبج غير بعيد عن حلب ، وابن خلكان يقول إنّ قرية جاسم التي ولد فيها أبو تمـّام هي من أعمال دمشق بين طبريّة ودمشق ثم حدّد مكانها في الجولان .

وذهب قوم آخرون إلى أنّ أبا تمـّام لم يكن عربيّـاً من طيء ، وإنـّما كان أبوه نصرانيّـاً اسمه تدوس العطـّار ، ثم انقلبت تدوس إلى أوس حتـّى توافق التـّسمية العربيّة الـّتي تجعل نسبه ينتهي إلى طيء .

وذهب الذين باعدوا بينه وبين نسبه الطـّائـي إلى أنّ أباه كان خمـّاراً بدمشق ، ولكنّ دليلاً واحداً على عدم ( طائيّة ) أبي تمـّام لم يرتفع إلى درجة كافية من الإقناع ، والمسألة في واقعها قد وجدت ارتياحاً في خاطر بعض المستشرقين الذين يحلو لهم أن يباعدوا بين كلّ نابغة فذ وبين عروبته ، على أنّ مجتمع الطـّائيّين وبخاصّة الأعلام منهم قد أوسعوا له من صدورهم ووضعوه في صدر مجالسهم وأظهروا الرّضى لقرابته إليهم ، ثم زاد العلماء على ذلك بأن قالوا : خرج من قبيلة طيء ثلاثة ، وكلّ واحد منهم مجيد في بابه ، حاتم في جوده ، وداود بن نصير الطـّائي في زهده ، وأبو تمـّام في شعره .

على أنّ أبا تمـّام كان يهتمّ بالأدب والعلم أكثر من اهتمامه بالنـّسب ولعلّ ذلك من الوضوح بمكان في أبياته الـتي يهجو بها عبّاس بن لهيعة حين يقول :

بني لهيـــعة ما بالي وبالـُـــكم ... وفي البلاد مناديح ومضطرب
لجاجة بيَ فيكم ليس يُشبهُــها ... إلا لجاجتكم في أنـّـــــكم عرب
كذبتـُمُ ليس ينبو من له حسب ... ومن له نسب عمــــّن له أدبُ

لقد كان أبو تمـّام بحكم ثقافته الواسعة يرى أنّ رباط الثقافة في جوهره ربّما فاق رباط القبيلة والأسرة ، إنّ أحداً من الذين مدحهم أو كان على صلة به لم ينكر نسبته في طيء وأوّلهم المعتصم نفسه ، فلقد علـّق المعتصم على ( ضعفه في العربيّة ) ، على شعر أبي تمـّام موجّهاً خطابه إلى القاضي ابن أبي دؤاد قائلاً : الطـّائـي بالبصريّين أشبه منه بالشّـاميّين .

وكان الشعر والأدب ظاهرة طبيعية في أسرة أبي تمـّام فقد كان له أخ اسمه سهم ، وكان سهم هذا شاعراً وإن لم ترق شاعريّته إلى مقام شاعريّة أخيه .
فمن شعر سهم قوله :

ونازعته شيئاً إليّ مبـــــغضاً ... فلما رأى وجدي به صار يعشقـُه
فدعه ولا تحزن على فائز به ... فإن جديدات الليـــــــّالي ستخلفـُه

وهذا الشعر إن لم يكن جيداً كل الجودة فليس بسيّء ، ومن الطريف أن سهماً - حسبما حكى البحتري - قد جاء إلى أخيه يستميحه ، ولكن أبا تمـّام قال
له : ( والله ما يفضل عني شيء ولكن أحتال لك ) ، فكتب إلى يحيى بن عبد الله بقصيدة يوصيه به خيراً ، بل إن تمـّاماً نفسه كان شاعراً ومدح ابن
عبد الله بن طاهر ولكن صورة شعر أبيه جعلته يبدو قزماً جاء من صلب عملاق .
إن أسرة تخرج شاعرين أخوين في وقت واحد يصعب من وجهة نظر الكثيرين أن تكون نبطية ، ولكن حرص أبي تمام على وشائج الثقافة وجعلها نسباً
يربطه بالناس أكثر من رباط القبيلة قد شجّع الطاعنين في نسبه على السير في طعنهم هذا شوطاً بعيداً .
إن أبا تمام يؤكد هذا المعنى في أبيات وجّهها لعليّ بن الجهم الشاعر وكان من أقرب أصدقائه إلى قلبه :

إن يـُكد ، مطـّـرف الإخاء فإننا ... نغدوا ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فمـاؤنا ... عذب تحـــدّر من غما واحد
أو يفترق نسب ، يؤلـّف بيننا ... أدب أقمنـــــــــاه مقام الوالد

كانت هذه معايير أبي تمام في علاقاته بالناس ، وهي معايير راقية صاغها في أبيات رقيقة بهيجة صارت فيما بعد دستوراً لرابطة الأدباء بعضهم ببعض .
ربما ظن بعض الناس أن مثل هذه المعاني هروب من رباط الشاعر بقبيلته ، ذلك الرباط الذي شك بعض الناس في مبلغ ثقته ومتانته الأمر الذي دفع ببعض شانئيه إلى أن يطعنوا في صحّة نسبه العربي الطائي .

ثقافة أبي تمام وسلوكه ومروءته وبديهته :

كانت ثقافة أبي تمام وشمائله واكتمال شاعريته درعاً في وجه الذين يهاجمونه ودريئة ضد الذين يغمزونه في نسبه ، فأين تعلم أبو تمام وكيف ثقف نفسه ونمّى شاعريته وشحذ ملكته ؟
إن أبا تمام أديب عصامي جاد ، ارتحل في سبيل المعرفة من الشام إلى مصر وتردد على مسجد الفسطاط حيث حلقات العلم مكتظة بالدارسين يستمعون إلى الشيوخ الذين يلقون الدروس في اللغة والنحو والفقه والأدب وعلوم الدين ، والفتى الفقير الشامي المغترب يشترك مع السامعين ويجدّ مع المجدّين ، ولكنه في نفس الوقت يستعين على ضروريات الحياة بسقاية الماء في المسجد فيصيب القليل من الرزق من هذا السبيل المتواضع ويصرف همه إلى الشعر مع ما يصرف من هم في تحصيل بقية العلوم ، فيقوله مبكراً ويجيد فيه ويجود ، ويشيع ذكره وينبه شأنه ويصل خبره أذني المعتصم الخليفة البغدادي الذي لم يكن يسمع الشعر - على الأغلب - إلا تقليداً لما كان يفعله أبوه الرشيد وجدّه المهدي وأخويه الأمين والمأمون ، أما هو فكانت أمه تركية وتربيته عسكرية ، فكانت حصيلته في العربية متواضعة وفهمه لها محدوداً ، ومع ذلك فقد حمل أبو تمام إليه وهو في ( سرّ من رأى ) فأنشده من روائع شعره القصيدة تلو القصيدة والمديحة بعد المديحة ، فكانت معاني أبي تمام المحتشدة المتواكبة المبتكرة ، وقوافيه العذبة الموسيقية السلسالة تجذب انتباه الخليفة نصف الأعجمي بشدة حتى إنه كان يستعيد الشاعر مرات ليس من باب الإعجاب بقدر ماهي من ملاحقة المعنى وفهمه ، فإذا فهم المراد من قول الشاعر بدأ يظهر إعجابه ثم يزيد على ذلك بأن يصدر حكماً نقدياً مثل قوله ذات مرة : الطائي أشبه بالبصريين منه بالشاميين .
إن أبا تمام يحصل المعرفة في كل مكان مع صفة الظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس ومحافظة على زيّ الأعراب مثله في ذلك مثل الحسين بن مطير .

يجعل أبو تمام من الحياة مدرسة ومن كتب الأقدمين مدرسة أخرى ، يأخذ من الأولى بأسباب التجربة ومن الثانية بما يصقل شخصيته الأدبية وملكته الشعرية ، وأصبح راوية للقديم من الأشعار والطريف من الأخبار ، إنه يجالس إبراهيم بن العباس ويسامره بما يحفظ من شعر قديم مختار يصور صفات تمثلها أبو تمام في إبراهيم فيقول :

يمدّ نجاد السّيف حتى كأنـــــــه ... بأعلى سنامي فالـــــــــج يتطوح
ويدلــج في حاجات من هو نائم ... ويوري كريمات الندى حين يقدح
إذا اعتم بالبرد اليمانيّ خلتــــه ... هلالاً بدا في جانب الأفــــق يلمـح
يزيد على فضل الرجـال فضيلة ... ويقصر عنه مــــــــدح من يتمدّح

فيعجب إبراهيم بن العباس كل الإعجاب بجليسه الشاعر الأديب الراوية ويردف قائلاً له : أنت تحسن قائلاً وراوياً ومتمثلاً . وحين يخرج أبو تمام من مجلس صديقه يركض خلفه ابن أخ للمضيف هو أحمد بن عبدالله طماس ويطلب إليه أن يملي عليه هذه الأبيات ، فيقول له : هي لأبي الجويرية العبدي يقولها للجنيد بن عبد الرحمن ، يعني لا حاجة بك إلى أن أمليها عليك ، فاذهب وانسخها من مصدرها .

ومن محفوظات الأخبار التي كان يرددّها أبو تمـّـام قوله : قال يزيد بن المهلب يوماً لجلسائه :
أراكم تعـنــّـفونني في الإقدام ! ، قالوا : نعم ، والله إنك لترمي بنفسك في المهالك ، فقال : إليكم عني ، فوالله لو لم آت الموت
مسترسلا ًلأتاني مستعجـــلا ً، إني لست آتي الموت من حبـّـه ، إنما آتيه من بغضه ، وقد أحسن الحصين بن الحمام المرّي حيث قال :

تأخـّرت أستبقي الحياة فلم أجد ... حياة لنفسي مثل أن أتقدّما

لقد كانت محفوظات أبي تمـّـام من الشعر القديم وفيرة ، وكان فيها ذوق وحسن انتقاء ، حتى إن الحسن بن رجاء كان يقول :
ما رأيت أحداً قطـّ أعلم بجيـّـد الشعر قديمه وحديثه من أبي تمـّـام ، وهذا يفسّر لنا ظاهرة غرام أبي تمـّـام بتسجيل منتخباته من الشعر
القديم في عدّة كتب وتحت عدّة أسماء هي ديوان الحماسة ، والوحشيـّـات أو الحماسة الصّـغرى ، وفحول الشعراء ، وهذا الأخير لا
يزال محفوظاً .

وأمـّـا مأثور الأخبار التي تتسم بالحكمة البالغة فإن حصيلة أبي تمـّـام منها كبيرة ووفيرة ، فمن طرائف هذه المأثورات التي يحفظها
أبو تمـّـام ويرويها أن رجلاً تكلــّم في مجلس الهيثم بن صالح فهذر ولم يصب ، فقال : يا هذا ، بكلام أمثالك رزق الصّمت المحبّة
وفي ضدّ هذا .. أي في تفضيل الكلام على الصّمت يروي أبو تمـّـام : ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمـّه أهل المجلس
فقال سليمان : كلا ّإن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن ، وليس كل من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن .

وفي مقام الحكمة البليغة معنىً ولفظاً يقول أبو تمـّـام : إن سلامة بن جابر النــّـهدي حدّثه فقال : سمعتُ أعرابيـّـاً يصفُ
قوماً لبسوا النعمة ثم عَـرُوا منها فقال : ما كانت نعمة آل فلان إلا ّطيفاً ولــّى مع انتباههم .

ويروي أبو تمـّـام عن رجل من كلب كان مع يزيد بن حاتم بإفريقية فرآه يستعرض دروعاً ويبالغ فيها ، وكانت من النوع الجيـّد فخوطب يزيد
في ذلك فقال : إنما أشتري أعماراً لا دروعاً .

إن أبا تمـّـام كثير المحفوظ من الشعر الجيـّد الذي اختاره بنفسه لنفسه ، ولقد شغل أبو تمـّـام نفسه بانتقاء الشعر الجيــــّد يحفظه تارة
ويكتبه تارة أخرى ، ولقد قال الآمدي : إنه ( ما من شيء كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا قرأه واطــّـلع عليه )
هذا وقد بالغ المؤرخون في ذلك حتى قالوا إنه حفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقطوعات ، وكان يحمل
ديواني مسلم بن الوليد وأبي نواس أينما ذهب ، وقد سئل عنهما وكانا في شكل حزمتين من الأوراق واحدة عن يمينه والأخرى عن شماله
فأجاب : ( لم أستسغ نقل هذه العبارة ، ولذلك أهملتها ولم أكتبها / راجنو ) .

ولقد أوخذ أبو تمـّـام ورُميَ بالكفر لهذا القول ( العبارة المهملة / راجنو ) ، وإن كان الصّولي قد التمس لهذا القول تعليلا ًهوأنهما شغلاه عن عبادة الله ثلاثين سنة
أو أن الجملة قيلت على سبيل المزاح . إنــّـه لم يُـعرف عن أبي تمـّـام على أيـّة حال زندقة أو شرك ، ولعلــّها هفوة لسان حسبما علــّـلها الصّولي .

كان أبو تمـّـام كثير القراءة حيثما ذهب وأنى حلّ ، ولقد دخل عليه محمد بن قدامة وهو بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه بحيث لا يكاد يراه من يبعد عنه بمسافة قصيرة .

فـثـقـافـة أبي تمـّـام إذن أدبيـّـة تاريخيـّـة حكميـّـة فلسفيـّـة مع رصيد ضخم من جيــّـد الشـــعر اختزنه في حافظته ثم فاض ذلك كلــّـه من عقله أكثر مما فاض من قلبه
فكان ذلك الشعر الذي خرج من رأسه إلى عِنان السّـماء حسب تعبير أستاذنا أحمد أمين .

وإلى جانب هذه الشخصيـًـة الفكريّـة الأدبيـّة السّـويـّـة كان لأبــي تمـّـام بديهة حاضرة وذكاءً مفرطـاً ، فقد قال له أبو سعيد الضّريــر
بعد أن سمعه ينشد إحدى قصائده التي جنح فيها إلى الإغراب : يا أبا تمـّـام ، لمَ لا تقول من الشعر ما يُعرفُ ؟ فأجابه على الفور
وأنت لـِمَ لا تعرفُ من الشعر ما يُـقال ؟ .

rarkou
28-04-2010, 07:35
ومن بدائهه الجريئة أنهُ أنشد قصيدتهُ :

أرامة ُكنتِ مألفَ كلّ ريــــمِ

لعتبة بن عُصيم ، وهو كلبيّ من قضاعة ، وكان أديباً شاعراً ، وكان أبو تمّـام آنذاك لا يزالُ صغيراً
حديث القدوم من مصر ، فلما انتهى من إنشاده قال له عتبة : أحسنت ياغـُلام على صغر سنكَ ، فسكت
أبو تمّـام ، وقال : ياعمّ ، أنشدني من شعركَ ، فأنشدهُ قصيدة ، فلما فرغ قال : يا عمّ ما أحسنت على
كبر سنـّكَ !! فقال عتبة لمن حولهُ : أخرجوا هذا من بلدنا فليس يصلح أن يقيم بيننا .

لم تقف حدّة بديهة أبي تمّـام عند حدّ ، فلقد كان الرّجل في الخطير من المواقف يتصرّفُ باسلوب لم يؤلف
عند غيره من الشعراء ، ولعلّ قصته مع أحمدبن المعتصم حين مدحهُ بقصيدة سينيّة تعتبرُ مثلا ًحياً لحضور
بديهة الشاعر وحدّتها إلى المدى الذي جعل الكندي الفيلسوف الطبيب - وكان حاضراً إنشاد القصيدة - يتنبأ
بقصر عمر أبي تمّـام .

دخل أبو تمّـام على أحمد بن المعتصم ، الذي وليَ الخلافة بعد ذلك باسم المستعين بالله ، وكان لا يزال أميراً
وأنشده مديحة يقول فيها :

ما في وقوفكَ ساعة من باس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس
فلعلّ عينيـكَ أن تـُعين بمائها ... والدّمعُ منــهُ خاذل ومُـواسي
أبليت هذا المجدُ أبلغ غايـــة ... فيهِ وأكـــــرمَ شيمةٍ ونِـحاس
إقدامُ عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنفَ في ذكـاءِ إياس

وهنا قاطعهُ أبو يوسف يعقوب الكندي الفيلسوف ، وكان حاضراً : الأمير فوق من وصفتَ ، فأطرق قليلا ً
ثمّ مضى قائلا ً :

لا تـُنكروا ضربي لهُ مِـن دونهِ ... مثلا ًشروداً في النـّدى والباس
فالله قـد ضرَبَ الأقلّ لنـــــوره ... مثـــــلا ًمنَ المشكاة والنبـراس

فاستولى العجبُ على الحاضرين لهذه العارضة الحادّةِ المسعفةِ ، خاصّة وأنهُ لما أخِـذت القصيدة من يدهِ لم
يوجد فيها هذان البيتان ، وتضيفُ بعضُ الرّوايات أنّ الكنديّ قال بعد أن خرج أبو تمّـام من المجلس :
هذا الفتى يموتُ قريباً .

هذا ما كان من أمر بديهةِ أبي تمّـام ، وهناك أمثلة أخرى كثيرة تدلّ على ذلك ، وأما أخلاقه فكانت تجمعُ
بين الظـُرفِ والمعابثةِ ، والجــدّ والحفاظ على الكرامة ، فمن معابثاتهِ ما رواهُ ابنُ المعتزّ من أنّ حسّـاناً
الضبي صحِـبَ معهُ أبا تمّـام في سفينتهِ من الشام إلى العراق ، وكان في السّـفينةِ منجّم حملهُ معهُ حسّان
فكان الطائي مولعاً بضربِهِ وتخريق ثيابهِ ومعابثتهِ ، هذا والضبيُ يلومُهُ قائلا ً : ويحكَ رجل قد صحبنا
ووجب حقــّـهُ علينا ، لمَ تفعلُ بهِ مثلَ هذا ؟ واللهِ ماهذا من فعل الكرام ولا من شأنِ أهل الأدب ، فكان أبو
تمـّـام يجيبهُ : هذا !! لو كان منجّـماً وكان يعلمُ شيئاً كما يزعُمُ ، لما ركب معنا هذه السفينة وأنا
اضربهُ هذا الضّرب وأذيهِ هذا الأذى .

وكان في أبي تمـّام بعض المجون شأن أكثر معاصريهِ ، ولكنّ مجانتهُ كانت موقوتة محدودة ، ولهُ في هذا السبيل
قصة مع الحسن بن وهب وغلاميـهما ، وقد أتبع أبو تمـّام القصة بأبيات من الشعر الذي لا داعي لذكره ، غير أنّ
قصة أخرى لأبي تمـّام مع الحسن بن وهب نفسهُ تضعُ أبا تمّـام في مواقع المروءة وشمائل العفـّـة ، ومن ثمّ تكون
حياتهُ متأرجحة بين المجون حيناً والجدّ حيناً آخرَ ، فقد دخل أبو تمّـام ومعهُ ( صالح ) غلامهُ ومنشدهُ على
الحسن بن وهب وعلى رأسه جارية ظريفة ، فأومأ إليها الحسنُ يغريها بأبي تمّـام فقالت :

يا ابن أوس أشبهتَ في الفسق أوساً ... واتخذتَ الغلامَ إلـــــفاً وعِـرسا

فقال أبو تمّـام على الفور :

أبرقتِ لي إذ ليس لي بــــرقُ ... فتزحزحي ما عنــدنا عشــقُ
ما كنتُ أفسقُ والشـّباب أخي ... أفحينَ شِـبتُ يجوزُ ليَ الفسقُ
لي همـّــــة عن ذاك تردعُني ... ومركـّب ما خانـهُ عِـــــــــرقُ

بل إنهُ كان لأبي تمّـام مروءة تمنعهُ من التهافـُت ، وكرامة تحظرُ عليهِ التدني إلى ما يرى أنهُ لا يليق به أن يصنعُهُ
فقد أنشدَ عبد الله بن طاهر قصيدتهُ المشهورةِ :

هنّ عوادي يوسُـفٍ وصواحـِبُهُ ... فعزماً فقـِدماً أدرَكَ السّـُؤلَ طالـِبُه

وكان الشعراء قد اجتمعوا إليهِ فلما بلغ قولُهُ :

وقـلـقلَ نأي من خـُراسان جأشـُها ... فـقلتُ اطمئني أنضرُ الرّوض عازبُه
وركبٍ كأطرافِ الأسنـّـــة عرّسوا ... على مثلها والليــــلُ تسطو غياهبـُـه
لأمر عليــهم أن تـتـــــــمّ صُدُورُهُ ... وليس عليـهم أن تتـــــــــمّ عواقـِبُـه

صاحَ الشعراءُ قائلينَ : ما يستحقّ مثلَ هذا الشعر غير الأمير أبي العباس أعزّهُ الله ، وقال شاعر منهم اسمه
الرّياحي : لي عند الأمير جائزة وعدني بها ، وقد جعلتها لهذا الرجلِ - يقصد أبا تمّـام - جزاء على قوله
للأمير فقال : بل نضعفها لكَ ونقومُ لهُ بما يجبُ ، فلما فرغ أبو تمّـام من إنشاد القصيدة ، نثر عليهِ ألف دينار
التقطها الغلمان ، ولم يمسّ أبو تمّـام منها شيئاً .

إنّ كرامة أبي تمّـام أبت عليهِ أن ينحني على الأرض ليلتقط من دنانير نـُـثرت عليهِ ، وربما أخطا أبو تمّـام فهمَ مقصدَ
الأمير الذي ما فعلَ ذلكَ إلا ّتكريماً للشاعر وتمجيداً لشعرهِ ، ولكنّ أبا تمّـام تصرّف حسبما أملتهُ عليهِ كرامتهُ في ضوء
تقييمهِ للموقفِ جميعاً .

كيف تصوَّر أبو تمَّـام قصيدتهُ :

هذا ما كان من أمر أبي تمَّـام ثقافة ًوسلوكاً وذكاءً ومُروءَة ًوكرَامَة ًوبديهة ً ، البديهة التي أذهلت صفوَة
المُتأدِّبين ، والكرَامَة التي أبت عليهِ أن ينحني ليلتقط دنانيــر نثرَها الأميرُ ابن طاهر بن الحُسين إعجاباً
بهِ ، وقد مرَّت بنا قصَّة الشاعر الرِّياحي حين سمعهُ يمدحَ عبد الله بن طاهر وتنازلهُ لهُ عن جائـــــزةٍ لهُ
عندَ الأمير لإحسانهِ ، كما أنَّ للبُحتري فيهِ آراء وآراء كقولهِ : واللهِ ما أكــلت الخبز إلا بهِ ، وكان يسمعُ
شعرَ أبي تمَّـام وهو - أي البحتري - في إبان مجـدِهِ فيفزع ، فإذا قيــــــل لهُ هذا شعرُ أبي تمَّـام ، أجاب
محدِّثهِ : أذكرتني والله وسررتني ، لا يُحسِنُ أحد هذا الإحسان غيرهُ .

ويذكرُ علي بن الجهم أنَّ الشعراء كانوا يجتمعون كلَّ جُمُعةٍ في القبَّةِ المعروفةِ بهم من جامع بغداد
فيتناشدون الشعر ، ويعرض كـُلّ واحدٍ منهم على الآخر أحدث ما جادت بهِ قريحتهُ من الشعر بعد مُفارقتهم
بعضهُم بعضاً في الجُمُعةِ التي قبلها ، فبينما هو في جُمُعةٍ من تلكَ الجُمَع ومجموعة من الشعراءِ بينهم دعبل
وأبو الشيص وابنُ أبي فِتن يتناشدون الشعر والناسُ تسمعُهُم ، إذ بهِ يُبصِرُ شابَّـاً في طرَفِ المسجِدِ جّالساً
في زيِّ الأعرابِ وهيئتهم ، فلمَّـا قطعوا الإنشادَ قال لهم : قــــدْ سمعتُ إنشادكم مُنذ اليومَ فاسمعُوا إنشادي
قالوا : هات ، فأنشدهُم :

فحْوَاكَ دَلَّ على نجْوَاكَ يا مَــذِلُ ... حَتـَّامَ لا يَتقـَـــضَّى قولـُكَ الخطِلُ
فإنَّ أسْمَجَ مَنْ تشْكو إليْهِ هوىً ... مَنْ كانَ أحْسَنَ شيءٍ عِندَهُ العَدَلُ
مَا أقـْـبَلتْ أوْجُــهُ اللذات سَافِرَة ً ... مُــــذ ْأدْبَرَتْ باللـِّـوا أيَّامَنا الأوَلُ

ثمَّ مَرَّ فيها إلى انتهى إلى قولهِ في المُعتصِم :

تغايَرَ الشِّعرُ فِيهِ إذ ْسَهـِرْتُ لـَهُ ... حَتى ظنـَنـْتُ قــَوَافِيهِ سَتقـْتـَتِلُ

يقول عليّ بن الجهم : فعقدَ أبو الشيص عند هذا البيت خنصرهُ ، فلما مرَّ فيها إلى آخِرها قلنا لهُ زدنا

فأنشدنا :


دِمَنُ ُألـَمَّ بها فقالَ سَلامُ ... كـَمْ حَلَّ عُقـْدَة َصَبْرهِ الإلمَامُ


ثمَّ أنشدها إلى آخِرها وهُوَ يمدحُ المأمون ، واستزدْناهُ قصِيدَتِهِ فأنشدَنا التي أوَّلها :

قدْكَ اتئِدْ أرْبيْتَ في الغلوَاءِ ... كمْ تعْذِلونَ وَأنتـُمُ سُجَرَائي

حتى انتهى إلى آخِرها ، فقلنا لهُ : لِمَن هذا الشعر ؟ فقال : لِمنْ أنشدَكموه ، قلنا : ومن تكون ؟ قال :
أنا أبو تمَّـام حَبيب بن أوس الطائي ، فقال أبو الشيص : تزعُمُ أنَّ هذا الشعر لكَ ، وتقول :

تغايَرَ الشعْرُ فِيهِ إذ ْسَهـِرْتُ لهُ ... حتى ظننـْتُ قوَافيهِ سَتقـْتتِلُ

قال : نعم ، لأني سهرتُ في مدْح ملكٍ ولمْ أسهر في مدْح سوقة ، فعرفنـاهُ حتى صارَ معنا في موْضِعنا ، ولم
نزل نتهاداهُ بيننا وجعلناهُ كأحدِنا ، واشتدَّ إعْجابنا بهِ لدَماثتهِ وظرفِهِ وكرمِهِ وحُسن طبعهِ وجوْدةِ شعْرهِ ، وكان
ذلك أوَّلَ يوم عرفناهُ فيهِ .

على أننا نودّ في مجرى الحديث أن نستبعد أن يكون أبو الشيص محمد بن عبد الله بن رزين قـد حضر حفلة
إنشاد أبي تمَّـام لقصيدتهِ هذهِ الت يقالها في المُعتصِم ، ذلكَ أنَّ أبا الشيص توفيَ سنة 196 هـ بينما المُعتصِم
لم يتسنم كرسي الخلافة إلا في سنة 218 هـ ، والذي نرجِّحُهُ أنَّ الذي عناهُ ابــــن الجهم هو عبد الله بن أبي
الشيص فقد أوردَ لهُ الصولي مرثيَّة جيِّدة في أبي تمَّـام .

على كلِّ حال هذا رأي آخر لمجموعةٍ من الشعراءِ النابهين في أبي تمَّـام منذ أن قابلوهُ لأوَّل مرَّةٍ واستمعوا
إليهش مُنشِداً ، غير أنَّ ذلكَ كلهُ لا يعنينا كثيراً بقدر ما يعنينا تصوّر أبي تمَّـام نفسّهُ لشعرهِ وقوافيهِ ، إنَّهُ
أوَّلَ شاعر - فيما نعلم - يسهرُ في قول الشعر الذي يموج بين خواطِرهِ وتتدافعُ قوافيه نافِرة مُتزاحِمة حتى
ظنَّ أنها سوفَ تقتتِلُ بينَ يديْهِ .

السَّـلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته

إنهُ تصوّر جديـــد للقوافي ، ووصف جديد للشعر ، واستيعاب غني للقصيد موسوم بمختلف السِّـمات التي سوف نستمتعُ بها بعد
قليــــل ، لقد سبقهُ شعراء فحول إلى وصف شعرهم وأبدعوا في ذلك ، ولكنهم سلكوا مسلكاً آخر في هذا السَّـبيل غير مسلك أبي
تمَّـام ، فأبو تمَّـام مسلكهُ في وصف شعره كما سوف نستبين بعد قليل وصف حضاري محض ، ولكن شاعراً كجرير يصف قوافيه
بأنها قذيفة تـُدمي جسم من يُصوِّبها إليه :

وعاو عوى من غير شيء رميته ... بقافيـــــة أنفاذها تقطــرُ الدَّما
خروج بأفــــــــواهِ الرّواة كأنـَّـها ... قِرى هندوانيٍّ إذا هُـزَّ صمَّـما

لقد سمع ا لرَّاعي الشاعر الفحل هذين البيتين فارتاع وقال : لمن هذا الشعر ؟
فـقيــل له لجرير ، قال : لعن الله من يلومني أن يغلبني مثل هذا .

ويصف إبراهيم بن هرمة قصيدتهُ الشعريَّة فيقول :

وعميمة قد سُقتُ فيها عائراً ... غـُفلا ً ومنها عائـــر موسومُ
طبَّقتُ مفصلها بغير حديـــدة ... فرأى العدوّ غِنايَ حيثُ أقومُ

إنَّ هذا الضرب من الشعر الذي وصفهُ قائلوهُ قبل أبي تمَّـام من أمثال جرير وابن هرمة وغيرهما شعر مُخيف يُدخل الرّعب والفزع
إلى قلـُـوب سامعيه خاصَّة إذا كانوا من خصوم الشاعر أو من الشعراء الذين يُهاجونه أو يُعارضونه ، وأمَّا أبو تمَّـام فقـد نهـج في
هذا الضرب سبيلا ً آخر يُمجِّدُ القصيدة ويُنـزِّهها عن الزَّلل ويختار ألفاظها ويُزيِّنُ اسلوبها ويُرصِّع إهابها كما تـُزيَّنُ العروس ليــلة
الزَّفاف ، هذا من ناحيةِ الأسلوب ، وأمَّا من ناحيةِ المعنى فإنَّ معاني أبي تمَّـام صادرة من رأس صقلتها الثقافة العميـــقة والمعرفة
الواسعة ، ومن ثمَّ كان شعره فكرة رزينة راسخة ، وليس شعر عاطفة مُهتــزَّة مُهتاجة .

فأبو تمَّـام ينظر إلى الشعر نظرة جديـــدة أو بالأحرى يتبنـَّى نظريَّة جديـــدة هي نظريَّة المعنى ثمَّ اللفظ ويُعـبِّـرُ عن ذلك في عـدد من
المناسبات وعديد من القصائد ، إنها فيض المعقول ، وهي المعنى الجديد غير المُعاد ، وهي الغريبة المُغتربة لجدَّتِها المؤنسة لكلِّ
غريب ، وهي المعنى البكر ، وهي ابنة المهذب في الدّجى .

إنَّ ابا تمَّـام يقول في التعريف بمذهبه في شعر الفكرة من قصيدة مدح بها أبا دُلف العجلي أمير الكرخ وسيِّد قومه وأحد الأمراء
الفرسان الشعراء :

ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حِياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه فيـــــــض العقول إذا انجلت ... سحائب منــــه أعقبت بســـــحائب

هذا ضرب جديد من الشعر حسبما ذكرنا فهمه الشاعر الفارس وقدَّره حق قدره ، ولذلك فقد أمر بني قومه الذين حضروا إنشاد هذه
القصيدة أن يُظهروا مشاعرهم نحو الشاعر فألقوا إليه بمطارفهم وعمائمهم .
والمعنى في قصيدة أبي تمَّـام مُنـزَّه عن السَّرقة والمعنى المُعاد ، إنه يقول في إحدى قصائده في أحمد بن أبي دؤاد :

يُذلــِّـلـُها بذكــرك قــــــرن فـكــر ... إذا حزنت فتسلس في القيادِ
لها في الهاجس القدح المُعلـَّى ... وفي نظم القــــوافي والعمادِ
مُنـزَّهة عن السَّــترق المُـــوَرَّى ... مُكرَّمــــــة عن المعنى المُعادِ

وفي قصيدة لهُ في إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب يخلع أبو تمَّـام على قصائده أوصافاً رائعة ، فهي من الشهرة بحيث تذهب إلى أبعد
ممَّا يذهب إليه البرق الخاطف ، وهي لرقتها وغربتها في البلاد تؤنس كلَّ غريب ، وهي بعد ذلك من ذوات القيــــمة والحسب ، يقول
أبو تمَّـام مترجماً عن هذه المعاني :

احـفـــظ وسائل شعر فيـــــك ما ذهبت ... خواطف البــَـرْق إلا َّ دون ما ذهبا
يغــــــــــدون مُغتربات في البـــلاد فما ... يزلـْن يُؤنسن في الآفــــاق مُغتربا
ولا تضعْها فما في الأرض أحسن من ... نظم القوافـي إذا ما صادفت حَسَبا

وهي غريبة عملاقة تبدو قصائد الآخرين إزاءها خسيسة رخيصة القيمة ، وهي جديدة بحيث أنَّ شعر يُقال بعدها يُعدّ مُبتذلا ً . يصوغ
أبو تمَّـام فكرته هذه وهو يمدح أبا المغيث موسى بن إبراهيم :

هذي القوافي قد أتيـْـنكَ نـُـزَّعاً ... تتجثـَّمُ التـَّهجـيـــــــر والتـَّغـليسا
من كلِّ شاردةٍ تـُغـــــــادر بعدها ... حظـَّ الرِّجال من القصيد خسيسا
وجديــدة المعنى إذا معنى التي ... تشقى بـها الأسماع كان لبـيـســا
تلهــــو بعاجل حُسنِها وتعـُـدّها ... عِلقاً لأعجــــــــاز الزَّمـان نفيسا
من دوحة الكلِـم التي لـم تنفكك ... يُمسي عليـْـــكَ رصينها محبوسا
كالنـَّجم إن سافرْتَ كان مُواكِـباً ... وإذا حططتَ الرَّحــل كان جليسا

تلك معاني لا شكَّ جديدة في وصف القصيد والفخر به ، وهي إذا كانت جديدة المعنى فهي مُختارة من دوحة الألفاظ
الرَّصينة التي اختصَّ بها أبو تمَّـام ممدوحه وحبسها عليه .

ويعمد أبو تمَّـام إلى التنويع والتلوين وهو يصف قصائده في مقام مديحة له في الخليفة الواثق بالله ، إنها وإن
كانت من نظم اللسان فهي حاوية للؤلؤ المكنون وهي إنسية وحشية ، وهذهِ الصّور تنطبق على اللفظ والمعنى
إلا َّ أن الشاعر الذي يحتفل بالمعاني كلّ الاحتفال يجعل معانيها أبكاراً ، ينبوعها خضل ومعينها غزير ، وهي
في بهائها ورونقها شبيهة بالعروس ، وهي في دقة نسجها وحبكته كالدّروع وكالسّرير المذهب :

جاءتك من نظم اللسان قـــلادة ... سمطان فيـــــها اللؤلــؤ المكنونُ
حُـذيت حِذاء الحضرميَّة أرهفت ... وأجادها التخضير والتـَّـلســيـــنُ
إنسيَّـــة وحـشيَّــــة كثـُرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكونُ
ينبـوعها خضر وحَليُ قريضها ... حَليُ الهــــديِّ ونسجها موضونُ
أمَّــا المعاني فـهي أبـكــــار إذا ... نـُصَّت ولكنَّ الـقـــــــوافيَ عونُ
أحــــذاكها صنع اللسان يَـمُــدّه ... جـفــــرُ إذا نضب الكـــلام معينُ
ويسيءُ بالإحسان ظنـَّـاً لا كمن ... هُـــوَ بابنـِــه وبشعره مفـتـــونُ

ويُكرِّر أبو تمَّـام معنى الفكر وغلبته على قصائده ، إنها ابنة الفكر المهذب ، وهي بكر تعود على صاحبها
بالخير ، وكلما تقادمت عليها الأيام ازداد شبابها نضرة ، يقول شاعرنا في نهاية إحدى مدائحه لمالك بن طوق :

خذها ابنة الفكر المُهذب في الدّجى ... والليـْــل أســودُ رُقـعـــة الجلبـاب
بكراً تورِّثُ في الحيــــاة وتـنـثـني ... في السِّـلم وهـيَ كثيـــرة الأسلاب
ويزيدها مـــــــرّ الليـَـــالي جــــدَّة ... وتـقــــادمُ الأيــَّــام حُســن شباب

وفي عتابه لأبي سعيد محمد بن يوسف الطائي يقول أبو تمَّـام :

فأين قصائد لي فيــكَ تأبى ... وتأسفُ أن أهان وأن أذالا
هي السِّحر الحلال لمُجتليه ... ولم أر قـبلـها سِحْـراً حلالا

وفي نهاية قصيدة أبي تمَّـام في مدح خالد بن يزيد بن مزيد يُشبِّهُ أبياته بالجوهر المنثور التي إذا ألـَّـف الشعر
بينها صارت قلائداً وعقوداً :

إنَّ القــوافي والمساعيَ لم تزل ... مثل النـِّـظام إذا أصاب فريـــدا
هيَ جـــــوهر نثر فإن ألـَّـفـتـهُ ... بالشعر صار قـلائــداً وعـقودا
في كـلِّ مُعتركٍ وكـلِّ مَقــامــــةٍ ... يأخذن منهُ ذمَّـــة وعُـهـــــودا
فإذا القصائد لم تكـــن خفرَاءها ... لم ترض منها مشهداً مشهودا
من أجل ذلكَ كانتِ العربُ الألى ... يدعــون هـــذا سُؤدداً محدودا
وتـنــدّ عندهُمُ العُــلا إلا َّ عُــلا ... جُعِـلت لها مَرَرُ القصيدِ قيُـُـودا

هذهِ نماذج على سبيل التمثيل وليس على سبيل الحصر توضح لنا ربط أبي تمَّـام بين الشعر والفكر أكثر من
ربطه بينه وبين الخيــال ، ونحنُ لا نـرى في ذلك أيَّـة غرابة ما دام أبو تمَّـام كان مُتسلحاً بالمعرفة الواسعة
مُزوَّداً بالثقافة العميقة موهوباً ملكة في الشعر خصبة جيَّـاشة مِعطاءة ، إنه في ذلك امتداد طبيعي للشاعر المثقف
كلثوم بن عمرو العتابي ، وهو أيضاً امتداد طبيـــعي لمُفتـِّق أكمام معاني الشعر مسلم بن الوليد ، وإن كانت صلة
أبي تمَّـام بالعتابي أوثق ، إلا َّ أنَّ أبا تمَّـام أربى عليهما وزاد زيادة شديدة .
ولا تقفُ الفكرة بأبي تمَّـام عند وصفهِ لشعره وحسب ، ذلكَ أنه ربما وصف الشعر بصفات كريمة ليست واقعة به
أو حالـَّـة فيه ، ومن ثمَّ فإنَّ أبا تمَّـام يجعل قصائده معرضاً للقول الحكيم أو للحكمة البالغة التي سارت مسرى المثل
تماماً كما فعل المتنبي فيما بعد ، ولكنَّ أبا تمَّـام لهُ فضل السَّبق ، كما أنَّ المتنبي تلميذ مُخلص لأبي تمَّـام ، فإنه لم
يكن يتحرَّك أو يُسافر إلا َّ وديوان الطـَّـائيين في خرجه . وليس معنى هذا أنَّ الحكمة لم تجر على لسان شاعر قبل
أبي تمَّـام ، لقد جرت على ألسنةِ الشعراء منذ الجاهليَّة وليست حِكمُ زهير بخافيةٍ على الدَّارسين ، ولكنَّ أبا تمَّـــام
صقلها وربطها بالحضارةِ وأحسن أمكنتها في قصائده .
والحكمة تجري على لسان أبي تمَّـام في مقام المديح والرِّثاء ، وحتى في الهجاء والغزل . فمن حكم أبي تمَّـام
البالغة المشهورة التي تجري سلسلة صدوقة على كلِّ لسان قولهُ مادحاً أحمد بن أبي دؤاد مُعتذراً لهُ :

وإذا أراد اللهُ نشر فضيـــــــلةٍ ... أتـــاح لـَـــها لِــسان حـســــود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيب عَرفِ العود
لولا التـَّخوّفُ للعواقـبِ لم تزل ... للحاسدِ النـّـعـمى على المحسود

وفي مقام مدح أبي تمَّـام للحسن بن رجاء يقول :

لا تـُنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسَّـيلُ حَــرب للمكان العالي

وفي ختام مديحته لمهديّ بن أصرم يقول :

فلو صوَّرْتَ نفسكَ لم تزدْها ... على ما فيكَ من كرم الطـِّـباع

والجاحظ المُعاصر لأبي تمَّـام يعجب الإعجاب كله بحكمةِ أبي تمَّـام في الارتجال وعدم المكث في مكان واحد عند
قوله : في سِـياق مديحه لأبي سعيد محمد بن يوسف الطائي :

وطول مُقام المرء في الحيِّ مُخلق ... لـديـبــاجتيهِ فاغتـرب وتجـــــــدَّدِ
فإني رأيتُ الشمس زيدت محبَّـــة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمدِ

وفي مُقدِّمتهِ الغزليَّة وشكوى لوعته وهو يمدح أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شـُـبانة يقول مُـفتـِّقاً المعنى عن
حكمة بالغة :

فلا تحسبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجـيَّــــة نفس ، كـلّ غانيةٍ هندُ

ومن تجربة الحياة القاسية التي خاض أبو تمَّـام غمارها - حتى أصاب نـُجحهُ - تجري على لسانه هذه الحكمة
البالغة :

ليس الغبيّ بسيِّدٍ في قومه ... لكنَّ سيِّد قومهِ المُتغابي

ولا تـُخطىء الحكمة قول أبي تمَّـام حتى في مقام الهجو حين يقول :

مَسَـاوٍ لو قـُسِمن على الغواني ... لمَـا أمْهـِـرْنَ إلا َّ بالطـَّـلاق

وفي مقام الرِّثاء والمُواساة يقول أبو تمَّـام :

قد يُـنعِمُ اللهُ بالبلوى وإن عَظـُمَت ... ويبتلي اللهُ بعض القوم بالنــِّـعَـم

وفي مجال الغزل يُطلق أبو تمَّـام هذين البيتين الرَّائعين اللذيْـن يجريان على الألسنةِ في مقام ترديد الشعر
المؤنس الخفيف . وقد ذهبا مثلا ً جارياً :

نقــِّـل فـُـؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبّ إلا َّ للحبيـــــــــــــــب الأوَّل
كــمْ مَـنــزل في الأرض يألـَـفهُ الفتى ... وحَـنـيـــــــــنـهُ أبـــــــــداً لأوَّل منزل

الفكرة الشـِّعريَّـة عندَ أبي تمَّـام :

إنَّ أبا تمَّـام يعتمدُ في قصيدتهِ على الفكرة يفتقُ أكمامها ، ويصقلُ أردانها ، ويُفجِّرُ أعماقـها ثمَّ يُزيِّنـُها باللفظِ
العذب والجملة المونقة فتقعُ في نفس السَّـامع أجمل موقـع ومن أذنِـه أطيب سمع وأرقّ جرس ، لـقـد استطاع
أبو تمَّـام أن يُحَوِّل نفسهُ وهو في المدح إلى ممدوح مع كونِهِ مادحاً ، لقد كان يختار أكثر ممدوحيه من الصَّفوة
الممتازة المُثقـَّفة الأدبيَّة الشـَّـاعرة التي تـُقدِّرُ شعره وما فيه من إبداع حقَّ قدرهِ ، لقد كان منهم فضلا ً عن
الخلفاء ، والوزراء والقوَّاد والكـُتـَّـاب والقضاةِ ، ولقد كان منهم أبو دُلف العجـلي الفارس الشاعر ، ومنهم
الحسن بن وهب الوزيــر الكاتب الشاعر ، ومنهم الحسن بن رجـاء الذي نـَبُهَ شأنه في الأدب مُـذ كان يافعاً
ومنهم أحمد بن أبي دؤاد كبير قـُضاة المأمون والمُعتصم ، ومنـهم محمد بن عبد الملك الزَّيَّـات العالم الأديب
الكاتب الشاعر والوزير الخطير . هؤلاء وغيرهم من الصَّفوة التي تـُحبّ المديح وتـُقدِّرُهُ وتطربُ إلى الجيِّـدِ
منه وتهش لسماعِهِ ، لقد بدأ أبو تمَّـام مع أكثر هؤلاء مادِحاً مُمتدِحاً وانتهى أخيراً ممدوحاً مُمَجَّداً .

مدح أبو تمَّـام أبا دُلف العجلي بقصيدتهِ :

على مِثلِها منْ أرْبُع ومَلاعِبِ ... أدِيلتْ مَصُوناتُ الدّمُوع السَّـواكِبِ

فأعطاهُ خمسين ألف درهم استحساناً لها وقال لهُ : واللهِ إنها لدون شعركَ ، ثمَّ قال لهُ : واللهِ ما مثل هذا القول
في الحُسْن إلا َّ ما رثيـْـتَ بهِ محمد بن حميد الطوسي ، فـقال أبو تمَّـام : وأيِّ ذلكَ أرادَ الأميرُ ؟ قال : قصيدتكَ
الرَّائيَّة :

كذا فـَلـْيَجلّ الخطـْبُ ولـْيَفـْدَح الأمْر ... فليْسَ لِعَيـْن لـَمْ يَفِض مَاؤهَـا عُذرُ

وددتُ والله أنها لكَ فِيَّ ، فقال أبو تمَّـام : بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المُقدَّم قبلهُ ، فقال أبو دُلف :
إنـَّهُ لمْ يَمُتْ مَنْ رُثِيَ بهذا الشعر .

ويذكر الصّولي قِصَّة أخرى بصدد هذه القصيدة تدلّ على مبلغ تكريم أبي دُلف لأبي تمَّـام ، ذلكَ أنهُ لمَّـا وصل
أبو تمَّـام في إنشادِهِ هذهِ القصيدة البائيَّة في مدح أبي دُلف إلى قولهِ :

إذا افتخرَتْ يَوْماً تميــمُ ُ بقـَوْسِها ... وزادَتْ عَلى مَا وَطـَّـدتْ مِنْ مَنـَـاقِـبِ
فأنتــُمْ بــذِي قار أمَالتْ سُيُوفـُـكمْ ... عُرُوشَ الذينَ اسْترْهَنوا قوْسَ حَاجبِ
مَحَاسِنُ مِنْ مَجْدٍ مَتى يَقرنوا بها ... مَحَـاسِنَ أقـــــــوَام تـكـــُنْ كالمَعَــائِبِ
مَكــارمُ لجَّـــتْ فِي عُـلـُوٍّ كأنـَّـمَـا ... تـُحَاولُ ثـــــــأراً عِنـْدَ بعـْضِ الكوَاكِبِ

هنا يقول أبو دُلف لِمَنْ حوْله : يا معشر ربيعة ، ما مُدِحْـتم بمثل هذا الشعر قط ، فما عندكم لقائلهِ ؟ فما كان
من القوم إلا َّ أن بادروهُ بمطارفهم وعمائمهم يرمون بها إليه ، فقال أبو دُلف : قد قبلها منكم وأعاركم لبسها
وسأنوب في ثوابه عنكم ، تمِّم يا أبا تمَّـام :

فلمَّا بلغ إلى قولهِ :

وَلوْ كانَ يَفـْـنى الشعرُ أفناهُ ما قرَتْ ... حِيَاضُكَ مِنهُ فِي العُصُور الذوَاهِبِ
ولكـنـَّهُ صَوْبُ العُقـــول إذا انـثـنـت ... سَحَائِبُ مِنـْـهَا أعـْقِـبَـتْ بسَحَـائِبِ

قال أبو دُلف : ادفعوا إلى أبي تمَّـام بخمسين ألف درهم ، والله إنها لدون شعرهِ .

ويبلغ احترام الممدوحين لأبي تمَّـام مبلغاً يجعلهم يضعون بعض شعره موضعاً من التكريم بحيث لا يسمعونه
إلا َّ وهم واقفون ، فلقد أنشدَ أبو تمَّـام الحسن بن رجاء مديحة لهُ لاميَّة القافية فلمَّا وصل إلى قوله :

لا تـُنكِري عَطـَلَ الكريم من الغِنى ... فالسَّيْـلُ حَــرْبٌ للمَكــان العَـالي
وتنظـَّري خـبَـبَ الرَّكاب يَنـُصّـها ... مُحْيي القريض إلى مُمِيتُ المَال

قام الحسن بن رجاء من مجلسه وقال : والله لا أتمَمْـتها إلا َّ وأنا قائم ، فقام أبو تمَّـام لقيامه واستمرَّ مُنشِداً :

لـمَّـا بَلغـْنا سَاحَـة الحَسَن انـقـضى ... عَــنـَّـا تمَلـّـكُ دَوْلـــةِ الإمْحـــال
بَسَطـَ الرَّجَـاءَ لنا برَغـْـــم نوَائِــبٍ ... كثـُرَتْ بهِـــنَّ مَصَارعُ الآمَــــأل
أغلى عَذارَى الشعر ، إنَّ مُهُورَهَا ... عِندَ الكِــرَام إذا رَخـُصْنَ غوَالِي
تردُ الظنــــــونُ بهِ عَلى تصْدِيقِها ... وَيُحَكــَّــــمُ الآمَــال فِي الأمْــوَال

فلمَّا أتــمَّ أبو تمَّـام القصيدة تعانقا وجلسا ، وقال لهُ الحسن : ما أحْسن ما جليـْتَ بهِ هذهِ العروس ؟ يعني
القصيدة حلاوة وزينة وجمالا ً ، فردَّ أبو تمَّـام : والله لو كانت من الحور العين لكان قيامك إوفى مُهُورها .

إنَّ مدائح أبي تمَّـام كانت تجعل ممدوحيه - إعجاباً منهم بها - يضنون بها على من لا يستحقها ، ذلك أن أبا
تمَّـام دخل على نصر بن منصور مادحاً إيَّـاه بقصيدة داليَّة القافية . فلمَّا بلغ إلى قولهِ :

أسّائِـلَ نـَصْــرٍ لا تسَلـْهُ فـإنـَّـهُ ... أحَنّ ُ إلى الإرْقادِ مِنكَ إلى الرِّفـْدِ

قال له نصر : أنا والله أغار على مدحكَ أن تضعه في غير موضعهِ ، ولئن بقيتُ لأحظرنَّ ذلكَ إلا َّ على أهلهِ .
وإنَّ شيئاً مُماثلا ً لذلكَ يصدُرُ عن محمد بن عبد الملك الزيَّات حين سمع قول أبي تمَّـام فيه :

وَجَدْناكَ أنـْـدى من رجَالٍ أنامِلا ... وَأحْسَنَ في الحَاجَاتِ وَجْهاً وَأجْمَلا

قال لهُ : والله ما أحِبّ بمدحكَ مَدْح غيركَ لتجويدكَ وإبداعِكَ ، ولكنكَ تنغصُ مدحكَ ببذلهِ لغير مُسْتحقـِّـهِ .

لقد اتفق عدد من كبار الأدباء والنقاد والأعيان الأقدمين على أنَّ أبا تمَّـام في موضع سامٍ من الشعر لا يرقى
إليـه إلا َّ القليـل من الشعراء ، فابـن المُعْـتز يقــول : أمَّا أن يكون في شعره شيء يخلـو من المعاني اللطيفة
والمحاسن والبدع الكثيرة فلا .

وكان محمد بن يزيد المبرَّد ذا رأي غير كريم في شعر أبي تمَّـام فاستضافه ذات يوم عبد الله بن المعتز وطلب
إلى أحــد ضيوفه ممَّن يحفظون شعر أبي تمَّـام أن يُنشِد قـصيدة له يعتــذرُ فيـها لأبي موسى بن إبراهيم الرَّافقي
يقول في بعض أبياتها :

أسَرْبلُ هُجْرَ القوْل مَنْ لوْ هَجَوْتـُهُ ... إذنْ لـَهَجَاني عَنـْـهُ مَعـْرُوفـُهُ عِنـْدِي
كريمٌ متى أمْدَحْهُ أمْدَحْــهُ والوَرَى ... مَعِي وَمَتى لـُمْـتـُهُ لـُمْـتـُهُ وَحْــــــدِي

فقال المُبرَّد : ما سمعْتُ أحسن من هذا قط ، ما يهضم هذا الرَّجل حقهُ إلا َّ أحد رجلين ، إمَّا جاهل بعلم الشعر
ومعرفة الكــلام ، وإمَّا عالم لم يتبحَّر شعره ولم يسمعـْهُ ، وكأنَّ المُبرَّد يُبرِّرُ ماضي استهانته بشعر أبي تمَّـام
في قولهِ هذا .

ويقول المُبرَّد عن الحسن بن رجاء وأبي تمَّـام : ما سمعت الحسن بن رجاء ذكر أبا تمَّـام إلا َّ قال :
ذاكَ أبو التـَّـمام ، وما رأيتُ أعلم منهُ بكلِّ شيءٍ ، وكان البحتري - الذي اعتبره بعض النـّـقاد مُنافساً لأبي تمَّـام
أو مُتفوِّقاً عليهِ - يقول : لو رأيتَ أبا تمَّـام لرأيْتَ أكمل الناس عقلا ً وأدباً ، وعلمتَ أنَّ أقلَّ شيءٍ فيهِ شعرهُ .

rarkou
28-04-2010, 07:37
هذا هو أبو تمـام ثقافة وعلماً ونباهة ورفعة مكانة عند جمهرة الخاصة ، وهو عالم مُتبحِّر في شئون الثقاعة
وفروع المعرفة ، ومن ثمَّ فقـد كان أوَّل من أبدع صيغة شعريَّة في وصف القلم ، ذلكَ أنَّ أبا تمام شاعر عالم
وشعره يصدر عن عقله كما مرَّ بنا فيما مضى من صفحات ، والقلم هـو ترجمان العقل ومُسجِّل خطرات الفكر
وهو باني الملك وثالّ العروش ، إنه خطير الشأن في كلِّ حالاته ، ولذلكَ فإنَّ أبا تمام يقول فيـه كشاعر عالــم
مثقف ، ووصْف القلم هنا جاء مُرتبطاً بمن يُحسنُ إمساكَ القلم : مُحمد بن عبد الملك الزيات :

لكَ القلــــــــــــــمُ الأعلى الذي بشباته .. تـُصابُ من الأمـــر الكلى والمفاصلُ
لعابُ الأفـــــــــــــــاعي القاتلات لعابه .. وأرْيُ الجنى اشتارتـْـهُ أيــدٍ عواسلُ
لـهُ رَيْــقـــــــــــــــة طلٌ ولكنَّ وقعَــها .. بآثــاره في الشرق والغـــرب وابــلُ
فصيح إذا استنطقـتــــــــهُ وهو راكـب .. وأعجـــــــمُ إن خاطبتهُ وهــو راجـلُ
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغـت .. عليهِ شعاب الفكــــــــر وهيَ حـوافلُ
أطاعتهُ أطـــراف الـقـنـــــا وتقـوَّضت .. لنجواهُ تقويض الخيــَــــــام الجحافـلُ
إذا استـغـــــــزر الذهن الذكيّ وأقبـلت .. أعاليــــــهِ في القرطاس وهيَ أسافـلُ
وقــــد رفدتــــه الـخــنصران وسـدَّدت .. ثلاثَ نواحـيــــــــــــه الثلاث الأناملُ
رأيتَ جليــــــــلا ً شأنهُ وهـو مُرهــف .. ضنىً وسميناً خطبهُ وهـــــــــوَ ناحِلُ

إنَّ المعاني الجديدة التي عالجها أبو تمام وفتق أكمامها كما تفتق شمس الرَّبيع أكمام الأزهار ، وأزاح عنــها
غبار السنين كما تنزاح الأتربـــة عن وجوه الجواهر ، ولم تقف عنــــد تلكَ الصّــور التي ذكرنا والتي بهــر
ممدوحيه بها فأجلـّـُـوا قدره ورفعوا منزلته وبالغوا في الثناء عليه ما استطاعوا إلى الإجـلال ورفعة المنزلــة
والثناء سبيلا ً ، وإنما كان الرجل يمرح بين حدائق معانيه التي استحدثها بنفسه أو أخذ بعضاً منها من غيره
فحسَّن فيها وأعاد صوغها وأضاف إليها شيئاً جديداً .

إنَّ أبا تمام يصف سحابة ممطرة مستهلا ً بها قصيدة مديح في محمد بن الهيثم بن شبانة عامداً إلى الفكرة
الشعريَّة الجديدة ، مُستعيناً في البيت الثاني بفكرة سلفت للفرزدق ، وأمَّا بقيَّة المعاني فهي لهُ حيث يقول :

ديـمة سمحـــــة القيــــــاد سكوبُ .. مُستغيث بـها الثـــرى المكروبُ
لو سعت بقعــــــــة لإعظام نـُعمى .. لسعى نحــوها المكــانُ الجديــبُ
لــــذ شؤبوبها وطاب فــلــــو تسـ .. ـطيع قامت فعانـقتـــها القلـــوبُ
فهي ماء يجــــــري وماء يليـــــهِ .. وعِـزال تـُنـْشى وأخــرى تـذوبُ
كشف الرَّوْضُ رأسَـهُ واستسرَّ الـ .. ـمحلُ منها كما استسرَّ المُريـــبُ
فإذا الـرَّيّ بعدَ محـــل وجُرجــــــا .. نُ لديــــــها يبـريــنُ أو ملحُـوبُ

إنها صيغة جديدة من فكر الشعر العربي ، وقد استعان الشاعر في بيته الثاني بالمعنى الذي انبثق من قريحة
أشجع السلمي ، وكل من الشاعرين آخذ من الفرزدق عندما مدح علياً زين العابدين بميميَّته النفيسة في بيته :

يكادُ يُمسكهُ - عرفان راحته - .. ركنُ الحطيم إذا ما جاء يستلمُ

ومن روائع شعر الفكرة المعاني العديدة الجديدة التي ضمنها أبو تمام قصيدة لاميـَّة له مدح فيها الحسن بن
وهب ، وكان الحسن بن وهب من أقرب الممدوحين وأعيــان العصر إلى قلب أبي تمام ، وكان يحفظ شعره
ويرويه ويعجب به ، ولما مات أبو تمَّـــام بالموصل سنة 231 هـ ، حزن عليــه الحسن حزناً مبرحاً وبكـاه
بقصيدة حزينة غامرة العاطفة يقول في بعضها :

سقت بالموصل القبر الغريبا .. سحائب ينتحبن لـــهُ نحيبـا
إذا أطلعـْـنـهُ أطلعْــــــــن فيهِ .. شعيب المزن منبعثاً شعيبـا
ولطـَّمتِ البروقُ لها خــدوداً .. وشقـَّقتِ الرّعود لها جيوبا
فإنَّ تراب ذاكَ القبــر يحوي .. حبيباً كان يُدعى لي حبـيبـا

وهي قصيدة حزينة رقيقة رغم ما فيها من صناعة لفظيـَّة بديعيـَّة لا تتفق وجـــلال الحزن أو مقام الرِّثاء .
إنَّ صلة المودَّة التي ربطت بين كل من أبي تمام والحسن بن وهب كانت تطفو دائماً على قصائد أبي تمام
في مدح الحسن في شكل احتفال بالمعاني واحتفاء بالقــــوافي وانتقاء للفكرة واعتناء بالدِّيباجة ، مع لعبٍ
بالألفاظ وتزيين للأسلوب ونثر لما في كنانة أبي تمام من جديد .
يبعثُ أبو تمام إلى الحسن بن وهب بقصيدة من الموصل التي كان وليّ إمرة بريدها في آخر حياته ، وهذه
القصيدة واحــــــدة من تلكَ التي تمثل طرف المرحلة الفنيـَّـة التي وصل إليــها الشاعر الطائي ، يقول في
استهلالها عامداً إلى المُجانسة والطباق :

ليس الوقوف بكفءِ شوقكَ فانزل .. تبـْلل غليـــلا ً بالدّموع فتبـْلل
فلعـــلَّ عَـبـْـرة ساعةٍ أذريتــَـــها .. تشفيكَ من إرباب وَجْـدٍ مُحول
ولـقـــد سلوتُ لو أنَّ داراً لم تلح .. وحَلمْتَ لو أنَّ الهوى لم يجهل
إني امرؤ أسِمُ الصَّبابة وَسْمَــــها .. فتغزلي أبــــــداً بغيـْـر المُغزل

فإذا وصل أبو تمام إلى مديحته في الحسن بن وهب بدأ يُزيِّنها بالمعنى الطريف والأسلوب الصنيع
وذلكَ في قوله :

قدْ أثقـَبَ الحسنُ بن وهبٍ في الندى .. ناراً جـلت إنسان عيــن المجتلي
مأدومة للمُجتـــــــــــدي ، مَوْسومَة .. للمهتـــــدي ، مظلومة للمُصطلي

ثمَّ يُردفُ مُوجِّهاً الخطاب إلى نفسهِ :

ما أنتَ حين تـَعُدَّ ناراً مثلها .. إلا َّ كتـــــالي سورةٍ لـم تـُنزل

أرأيتَ كيف فجَّر أبو تمام شاعريَّـته عن المعنى غير المسبوق إليهِ في بيته الأخير في نطاق تشبيه جديد
وقبله صنع من بيته أنغاماً لفظيـَّـة في نطاق تشطير ما أحسسنا فيه تكلفاً أو عنتاً .
ويمضي الشاعر الطائي قدماً يطرق المعنى بعد المعنى ويُردفُ البيت إثــر البيت حتى يصل إلى الحديث عن
أيامه الطيِّبة في صُحبة الحسن ، وعن شمائل الحسن وصفاته الفريدة معنى من لدن الشاعر فجعـل ممدوحه
يتفرَّدُ بها بين الناس ، ومن الطريف أنَّ أبا تمام يعمد هنا إلى اصطناع أفكار الفلاسفة والمناطقة :

لله أيــَّــــام خطبنـــــا لينــــها .. في ظلـِّـــه بالخنــدريس السلسل
بمُدامــــةٍ نغمُ السماع خفيرها .. لا خيـــــر في المعلول غير مُعلل
يعشى عليها وَهْوَ يجلو مُقلتي .. باز ويغفـــلُ وَهْــوَ غيـــرُ مُغفـَّل
لا طائش تهفـُــــو خلائقهُ ولا .. خشِنُ الوقــــــــار كأنه في مَحْفل
فكِـــــه يُجمّ الجـــدَّ أحياناً وقد .. يُنضى ويُهزلُ عيشُ من لم يهزل
قيـــدُ الكلام لِسَـانهُ حصـْن إذا .. أضحى اللسان اللـَّغبُ مثل المقتل
أذن صفوح ليس يفتـحُ سَمَّها .. لِدَنِيــَّـةٍ ، وأنامل لــَـمْ تـُقـفـــــــل

الحق أنَّ هذه المقطوعة من قصيدة أبي تمام ترجح قصائد وتربو على معاني عــدد من شعراء المديح
مجتمعين ، لقد سبق القول أنَّ احتفاءنا بشعر المديح لا يصدر من موقف تمجيد للأشخاص ، وإنما هو
منطلق التسابق والتنافس والإبداع لدى شعراء السلف ، وإلا َّ فما كنا ولا كان غيرنا من البلاهة بحيث
يتصوَّر صدق انطباق وصف الشعراء البارعين من أمثال ابـــن ميادة وابن هرمة والحسين بـن مطيـر
ومروان بن أبي حفصة وبشار وأبي نواس ومسلم ، ومن قبـــلهم شعراء بني أميَّـة ، ومن بعدهم علي
بن الجهم والبحتري وابن الرّومي والمُتنبِّي ، وغيرهم على ممدوحيهم .

إنَّ إعجابنا هنا ليس بصفات الممدوحين فما كان الحسن بن وهب ولا الحسن بن رجاء ولا خالد بن يزيد بن
مزيد ولا أحمد بن أبي دؤاد من الصِّفات التي خلعها عليهم أبو تمَّام في كثير ، وإنما الإعجاب كلّ الإعجاب
منعطف على المعاني البارعة التي يبدعها الشاعر إبداعاً ويُفجِّر مكنونها تفجيراً .

إنَّ أبا تمَّام في بيتيه الأول والثاني يتقمَّص من ناحية الشكل أفكار المناطقة في إيراد المعلول والمعلل ، وما
قصد في الحقيقة إلا َّ قوله لا خير فيمن يعل بالرَّاح ولا يعلل بالغناء .

وأمَّا البيت التالي فليس موضع الاهتمام فيه بالطباق في ( يعشى ) و ( يجلو مُقلتي باز ) أو في ( يغفل ) و
( غير مغفل ) ، وإنما موضع الاهتمام هو المعنى الذي قصد إليه الشاعر في خلع صفة اليقظة على ممدوحه
وإن بدا غير ذلك ، ولقد طرق هذا المعنى في مكان آخر من قصائده بأحسن ممَّا طرقه الآن حين قال :

ليس الغبيّ بسيِّدٍ في قومهِ ... لكنَّ سيـِّـد قومه المتغابي

فجرى القول مجرى الحكمة السائرة لأنَّ بناء البيت وصوْغه الذي نسج فيه قد يسَّرَ جَرَيانه على الألسنة
وسهل حفظه في الخواطر .

وجميل من أبي تمَّام أن يصف ممدوحه بعد ذلك بالقصد والاعتدال ، فهو ليس بطائش مُبتذل ، ولا هو
بصلب لا ينبسط من أجله ندماؤه . ويُحاول أبو تمَّام أن يُخطط لحكمةٍ في بيته :

فـكِــه يجـــمّ الجــدّ أحيـــاناً وقــد .. يُنضي ويُهزل عيش من لم يهزل

فتفرّ الحكمة السَّائرة من يديهِ وإن بقي أثرها في خاطر القارىء ، ذلك أنَّ الحكمة حسبماا ذكرنا معنى جيِّد
وألفاظ عِذاب مُيسَّرة سهلة على السّضمع والخاطر والحافظة بحيث تستوعبها بسرعة وتشيعها وتذيعها بين
الناس ، ومع ذلك فالصّورة فيها حبكــة الصَّوْغ وإن لم تصِب يُســر الأسلوب، ويمضي أبــو تمَّام خالعاً على
ممدوحه صفتين حكيمتيــن فيــما يتصل بلسانه وأذنه ، فهو قيـَّـد الكلام لِسانه حصن لا ينطق إلا َّ عن حكمة .

ويمضي أبــو تمَّام في قول العديــد من الأبيات إلى أن يصل بنا إلى هــذه الصّور الغريبة في نطاق قافــلة من
الصِّفات التي خلعها على ممدوحه مُراعياً الجدَّة التي ألــَّـف نفسهُ عليها ما استطاع وذلكَ في قوله :

يَردِي بأرْوَع يغتدي ويرُوح منْ ... زُوَّاره وضـُيـُوفــه في جحفــــل
حتى تقــــــــرَّ عُيـُوننا وقلـُوبنا ... بالماجدِ المُسْـتقبَـل المُسْـتقبـــِـل
بمحمَّدٍ ومُـكـَـفـَّـــــر ومُحـســَّـدٍ ... ومُسَـوَّدٍ ومُمَـدَّح ومُعـَـــــــــــذل

ولعل ممَّا يُترجم عن مدرسة أبي تمَّام في فكـرة الشعر رسالة صديقه وممدوحه الحسن بن وهب إليه ، يُقرِّر
فيها أنَّ أبا تمَّام يحتذي معانيه في الشعر احتذاء الكـُـتــَّـاب في النثر ، فتكون قدرة أبي تمَّام أسمى لأنه ينظم
من الأفكار ما يجري على أقلام الكـُـتـَّـاب نابعاً من فيض قرائحهم ، وفكرة الكاتب كانت ولا تزال أسر تناولا ً
في المنثور منها في المنظوم ، وهنا تكمن عبقريَّة أبي تمَّام .

يكتب الحسن بن وهب إلى أبي تمَّام :

( أنت حفظكَ الله تحتذي من البيان في النظام مثل ما نقصد نحن في النثر من الإفهام . والفضل لك - أعزَّكَ
الله - إذ كنت تأتي به في غـايــة الاقتدار ، على غاية الاقتصار . في منظوم الأشعار ، فتحلّ مُنعقده ، وتربط
مُتشرِّده ، وتضمّ أقطاره ، وتجلــو أنواره . وتفصله في حـدوده ، وتخرجـه في قيـوده ، ثمَّ لا تأتي به مُهملا ً
فيستبهم ، ولا مُشترَكاً فيلتبس ، ولا مُتعقــِّـداً فيطــول ، ولا مُتكلفاً فيحــول ، فهو منكَ كالمعجزة تضرب فيه
الأمثال ، وتشرح فيه المقال ، فلا أعدمنا الله هداياكَ واردة ، وفوائدكَ وافدة ) .

إنَّ الحسن بن وهب يُقدِّم لنا هذا التحليل الدقيــق لفكــرة الشعر أو شعر الفكــرة عند أبي تمَّام منذ عصر بعيـد
عصر أبي تمَّام نفسه ، فجنـَّـب الكثيرين من النقاد أن يُـتـعبوا عقولهم ويكدّوا خواطرهم لكي يصلوا بشعر أبي
تمَّام إلى نتائج وموازين وتقييمات وصل إليها مُعاصروه ، فجنـَّبونا تلكَ المشقة ، اللهمَّ إلا َّ إذا كنـَّا نحن نسعى
إليها مُختارين بدافع نشـوة البحث ومُتعة الدَّرس والالـتــذاذ بما يُـسَــرّ المرء من قراءته ويُفيـد من استقصائهِ
ويرتاح إلى استقرائهِ .

إنَّ أبا تمَّام يتلقى كتاب صديقه في صفة شعره ، فيبعث إليه بردِّه شعراً ، وكأنما أراد أن يُوثـِّـق فكرة الصَّديق
من خلال هذا الرَّدّ الشعري الذي حوَّل كلَّ طريف من القول ، وجديد من الفكر ، ورائق من التشبيه ، ومُشرق
من الأسلوب ، يستهلّ أبو تمَّام قصيدته بمثليـْـن سائريْن :

أيا ويْل الشـَّجيِّ من الخليِّ .. وبالي الرَّبْع منْ إحدى بليِّ
وما للـــدَّار إلا َّ كلّ سـَـمح .. بأدمعــهِ وأضلعـــهِ سـَـخيِّ

وفيها يقول :

فقـــدْ حَــلـَّى كِتابـُـكَ كــلَّ بثٍّ .. جـوٍ وأصَـاب شاكلـــة الرَّميِّ
فضضت خـتامه فتبلـَّجَتْ لــي .. غرائبُـهُ من الخيْـــر الجـــليِّ
وكان أغضَّ في عيني وأندى .. على كبـِدِي من الزَّهر النـَّديِّ
وأحسن مَوْقِعاً مـِنـِّي وعِـندي .. مِن البُشـْرى أتتْ بعْــدَ النعيِّ
وضـُمِّن صَدْرُهُ ما لـمْ تـُضمَّن .. صُدُورُ الغانِيات منَ الحُــــليِّ
فكائنْ فيـهِ منْ معنىً خطِـيـــر .. وكائنْ فِـيـــهِ من لفظٍ بهـــــيِّ
كتبْتَ بـهِ بــــلا لفظٍ كريـــــهٍ .. عَـلى أذنٍ ولا خـطٍ قـمِـــــــيِّ
فأطلقَ منْ عِقالي في الأماني .. ومِنْ عُـقــَـلِ القوافي والمَطيِّ
فيـا ثـلـْجَ الفؤادِ وكان رضفاً .. ويـا شِـبَعِـي إذا يمضي وَرِيـيِّ
رسَـالة مَنْ تمَـتـَّـعَ بعْـدَ حين .. وَمَـتـَّعَـنا مِنَ الأدَبِ الرَّضِــــيِّ
لئِنْ غرَّبتها في الأرض بكراً .. لقدْ جُلِـيَـتْ عَـلى سَمْع كفـِـــيِّ
وَإنْ تـكُ مِنْ هَدَاياكَ الصَّفايا .. فرُبَّ هَدِيـَّـةٍ لكَ كالهـَـــــــــدِيِّ

إنَّ صلات المودَّدة ووشائج المحبـَّـة بين أبي تمـَّام والحسن بن وهب كانت من العمق والوثاقة بحيث استنطقت أبا تمَّـام بأرقِّ
المعاني وأعذب الألفاظ ، ومن الطريف أن يكون بينهما مكاتبات هذا من الموصل وذاك من بغداد ختى آخر أيام الشاعر الطائي
ولأبي تمَّام قصيدة قافية القافية في الحسن ضمَّنها أرقّ معانيه وأعمقها في إزار مُوشـَّى بالألفاظ العذاب ، ومن الغريب أن يكون
أحد أبياتها إرهاصاً بفراق طويل أبديٍّ بين الصَّديقين الصَّدوقين حبيب بن أوس والحسن بن وهب .

يقول أبو تمَّام من أبيات في هذه القصيدة الفريدة على خواطر الشعر ومعانيه :

ســـلام ٌ ترجف الأحشاء منــــــه .. على الحسن بن وهب والعراق
على البلـــــــد الحبيب إليَّ غوراً .. ونجـــــــداً والفتى الحلو المذاق
ليــــــاليَ نحن في وسنات عيش .. كأنَّ الدَّهْـــر منها في وثـــــــاق
وأيَّــــاماً لـنـا ولــهُ لِـــــــــــــداناً .. عرينا من حواشـــــــيها الرِّقاق
نصبّ على التقارب والتــَّــداني .. ويسقينا بكأس الشـَّوق سَـــــــاق
كأنَّ العهْـــــــــــد عن عُفر لدينا .. وإن كان التـَّـلاقي عن تـــــــلاق
سأسقي الرَّكب من ذكراه صرفاً .. وممزوجاً من الكلِــم البــَـــــواقي
شراباً عظمه للشـــرب شـُــرب .. وسَـــائــِـره ارتفــــاق للــــرِّفــاق
وتـُبرد بيننا أبــــــــداً قـــــوافٍ .. وشِـــيـــــكُ الـفـَـوْت منها باللحاق
على أقـرابــــــها وعلى ذراهــا .. لطائم من مديــــــح واشتيَــــــــاق
مُضاعفــــــــة الصَّبابة مُستبين .. على صفحاتها أثــــرُ الـفِـــــــراق

نقول إنَّ البيتين الأخيرين كانا إرهاصاً بفراق أبدي ، فقوافي أبي تمَّام كانت :

مُضاعفة الصَّبابة مُستبين .. على صفحاتها أثرُ الفراق

ومن فرائد أبي تمَّام التي هلــَّـل الشعراء لسماعها فضلا ً عن الممدوح ، مديحته في عبد الله بن طاهر بن الحسين في خراسان
لقد لقيه الشعراء وطلبوا منه أن يُسمعهم بعض شعره ، ولكنه طلب منهم الانتظار ريثما يكون الغد فيسمعون قصيدته بالأمير .

وكان أبو تمَّام على ثقةٍ من قوله ووعده ، وما أن بدأ قصيدته :

هـُنَّ عوادي يوسف وصواحبـُـهْ .. فعزْماً فقدماً أدرك السؤل طالبهْ

وقطع مرحلة منها حتى هاج الشعراء وقال واحد منهم - هو الرِّياحي - إعجاباً بالشاعر الكبير : لي عند الأمير جائزة
وعدني بها أرجو أن تـُعطى لهذا الشاعر المجيد ، وما أن انتهى أبو تمَّام من إنشاد قصيدته حتى كانت الدَّنانير الذهبية تنثر على
أردانه حسبما ورد في قصَّة هذه القصيدة ، فلنستعرض بعض أبيات هذا الشعر الفريد :

أعَـاذلِـتِـي ، مَــا أخـْشـَـن الليْــل مركبا .. وأخـْشـَـنُ مِـنــْـه في الـمُلِـمَّــاتِ راكِـبُــهْ
ذريــنِــي وأهْــــــوال الزمَــان أفـانـها .. فـأهْـــــوالـُـه العُــظـْـمَـى تـلِــيها رغائبُهْ
ألـَـمْ تـعْـلمي أنَّ الزِّمَــاع على السّـُرى .. أخـُــو الـنـّجـْـح عِـند الحادثات وصاحبُه
دَعِــيــنِـي عَــلى أخـْلاقيَ الـصّـمّ للتي .. هِـــي الـْـوَفـْـــرُ أو سِــرب تـُرنّ نوادبُهْ
فـإنَّ الـْحُـســام الهُـنـْـــــدُوانِـيَّ إنــَّـــما .. خـُشـــُـونـتــُه مَا لــَـمْ تـُـفـَلــَّـل مضاربُهْ
وقـلـْـقــل نـأيٌ من خـُـراسـَان جأشـَـها .. فقلتُ : اطمئني ، أنضرُ الرَّوض عازبُهْ
وركـبٍ كـَـأطـْـراف الأسـِـــنة عرَّسوا .. عـَـلى مِـثــلها والليْــــــــل تسطو غياهبُهْ
لأمْـــر عَـلـَيـْــهم أن تـتِــــمَّ صُـــدُورهُ .. ولـيـْس عَـلـيـْـهـــــــــم أن تـتـمَّ عَـواقبُهْ
عـلى كــُــلِّ روَّاد الـمِـلاط تهـَــــدَّمَـت .. عَــريـكـتــه الـعـلـيَـــــــاء وانضمَّ حالبُهْ
رعَـتــْـه الـفـيَــافي بعْــدما كان حـقـبـة .. رَعَـــــاهَـا ، ومَاء الرَّوض ينهلّ ساكبُهْ
فأضحى الفــلا قد جَـدَّ في برْي نحضه .. وكـــان زمَـانـاً قـبْــل ذاك يُـلاعِــبُـــــهْ
فكــــمْ جـــذع وادٍ جَــبَّ ذروة غَــاربٍ .. وبـالأمْـس كـانــت أتـْـمَـكـَـتـْهُ مَـذانِـبُـهْ
إليـْـك جـزعـنـــا مغرب الشمس كـُـلما .. هَـبَـطـْـنـَـا مَــلا ً صلــَّت عليك سباسبُهْ
فـلـَـوْ أنَّ ســيْــراً رُمْـنـَـهُ فاسْـتـطعْــنه .. لِـصاحِـبــِـنــَـا سَــوْقاً إلـيـْــك مَـغـاربُـهْ
إلى ملــكٍ لـمْ يُـلـــق كـلـْـكـل بـاسِـــــه .. عَــلـَـى مَـلِــكٍ إلا َّ وَلِــلــذلِّ جَــانِــبُـــهْ
إلى سَـالِـب الجـبـَّــار بـيْــضة مُلـْـكــهِ .. وآملــُــهُ غــَــادٍ عَـلــَيـْـــــه فـَـسَـــالِـبُـهْ
إذا أنت وجَّهْــتَ الرِّكـَــاب لِـقـصْــــدهِ .. تـبَـيَّـــنـْـتَ طعْـــمَ الماءِ ذو أنتَ شاربُهْ
سَــما للعُــــــلا من جـانـبـيـْـــها كليهما .. سُمُـــــــوَّ عُباب الماءِ جاشت غـواربُـهْ
فـنـَــوَّل حـتـَّـى لـمْ يجـِـدْ من يُـنـيــــلهُ .. وحارب حَـتى لـَــمْ يَـجـِـدْ من يُحَــاربُـهْ
وذو يـقـظــاتٍ مُـستـمِــــرٍّ مَـريــــرها .. إذا الخطبُ لاقــَاها اضمحلت نــَـوائبُـهْ
أرى الناس منهاج الندى بعدما عَـفـَـت .. مَهَــايِــِـعُـهُ الـْمُـثــْـلى وَمَحَّــتْ لـواجبُهْ
فـفِـي كـلِّ نجـــدٍ في البـِـلاد وغـائــــر .. مَـوَاهِـــبُ لـَـيسـتْ مِـنـهُ وهيَ مواهبُهْ
لِـتحدثْ لـَـــهُ الأيـَّــــامُ شُـكـرَ خـناعـةٍ .. تطيــبُ صَــبا نــجــْـدٍ بـــِهِ وَجَـنـائبُـهْ
إذا ما امْـــرؤ ألـْـقــى بربعِــــكَ رحلـهُ .. فـقــــدْ طالـَبَـتـْهُ بالـنــَّـجَـاح مَـطـالِـبُـهْ

لقد كان أبو تمَّام على حقٍّ حين رفض أن ينحني ليجمع النانير الألف التي نـُـثِـرت عليه ، فالقصيدة جماع دُرر وليست نثار
دنانير ، حتى الرِّحلة التقليدية في مُستهلها كانت رحلة جديدة فينانة الدروب ، وكان موكب الاستعارات ، وقافلة التشبيهات
وسرب المعاني على مسارها لمما يندر وجوده مُجتمعاً في قصيدةٍ أخرى عند شاعر آخر .
وتتوالى أبكار المعاني في شعر أبي تمَّام وبخاصة في مقام المديح ، فيسأل سائل إبراهيم بن العباس : من أشعر أهل زماننا ؟

فيقول : الذي يقول :

مطـرٌ أبـُـــوكَ أبــو أهِــلــَّـة وائل .. ملأوا البسيطة عُــدَّةً وعَــديـدا
نسبٌ كأنَّ عَـلـيهِ من رأدِ الضحى .. نـوراً ومن فلق الصباح عمودا
ورثوا الأبوَّة والحظوظ فأصبحوا .. جمعوا جدوداً في العُلا وَجُدَودا

ولا يعني إبراهيم بن العباس بهذا الشاعر المجيد غير أبي تمَّام ، وهي أبيات من واحدة من عيون قصائد أبي تمَّام في مدح خالد
بن يزيد بن مزيد الشيباني فيها من الأفكار الأبكار والقوافي العذاب ما يمسك بتلابيب المرء بحيث لا يمر بها حتى يأتي عليها
قراءة وترديداً .

ومن روائع معانيه في الجود والكرم ما قاله في المعتصم في قصيدته اللامية النفيسة :

أجَــلْ أيـّـها الرَّبْعُ الذي خَـفَّ أهـلــُهْ .. لقدْ أدْركـَتْ فيكَ النـَّـوى ما تـُحاولــُهْ

وفيها يقول :

بِيُمن أبي إسحاقَ طالتْ يدُ العُلا .. وقامت قـنـَـاة الـدِّيـن واشتدَّ كاهلُهْ
هُوَ الـيَـمّ من أيِّ النواحي أتيـْـتهُ .. فلُـجَّـتـُـهُ المعروف والجود ساحلُهْ
تعَــوَّدَ بسْطـَ الكـفِّ حتى لـو انهُ .. ثـنـَاها لـقبْـضٍ لم تـُجـبـْـهُ أناملـُـهْ
ولو لم يكن في كـفـِّهِ غيرُ روحهِ .. لجَـادَ بهَـا فـلـْـيـتـَّـقِ اللهَ سـائلــُــهْ

ويخرج أبو تمَّـام على دُنيـــا الشعر في نطاق المدائح باستهلال جديد لمْ يسبقه إليه إلا َّ مُسلم بن الوليد
فقد كان مُسلم سـبـَّـاقاً في كلِّ شيءٍ ، إنه يستهلّ قصيدته في المديح بوصف الطبيعة ، بل إنَّ استهلاله
بوصف الطـَّـبيعة يصلح وحـــده لأنْ يُشكــِّـلَ قصيدة جميـلة فـــريدة في وصف سحر الطبيعة وإشراق
الرَّبيـــع وتفتح النـور بعد شــتاء طـويل اسـتـتـبــعه وبـْـل وصحـْـو ومطرٌ وصفاء ، إنَّ أبا تمام يُـقــــدِّمُ
موضوعه الطريف في احتفاء شامل مُفعم بالأفكار عبق بالمعاني البكــْـر والأسلوب الرَّشـيق .

يقول أبو تمام في واحدة من قصائـدهِ في مدح المُعتصم مُسْـتهلا ًّ قصيدته بهذا الجديد
من وصف الطبيعة :

رقــَّـتْ حَـواشـــــي الدَّهر فهيَ تمَرْمَرُ .. وغـــدا الـثــرى في حَـلــْيـــــهِ يتكسَّـرُ
نزلـتْ مُـقـدِّمـَــــة الـمَصيـــفِ حَـميـدَة .. ويـَــدُ الـشـِّــتــاءِ جـديـــــدة لا تـُكـسَــرُ
لـوْلا الــَّـذي غــَـرَسَ الـشــتاءُ بكـفــِّـهِ .. لاقـى المَـصيـــــفُ هَـشائماً لا تـُثـمــــرُ
كمْ لـيـْــلةٍ آسَــــــى الـبـــــلادَ بـنـفـسـهِ .. فـيـها ، ويــَـوم ، وَبـْـلــُـهُ مُـتــْـعَـنـجــرُ
مَـطــرٌ يذوبُ الـصَّحـْوُ منـــهُ ، وبعـدَه .. صَحْـوٌ يكــــــــادُ من الغــَــضارة يقـطـرُ
غـيـْــثــان : فالأنواءُ غـيـْـثٌ ظاهــرٌ .. لكَ وجههُ ، والصَّحْــوُ غـيـْـثٌ مُضمَـــرُ
وَنــَـدىً إذا ادَّهَـنـتْ بهِ لــمَـمُ الثــَّـرى .. خلــْـتَ السَّـحَــابَ أتــَــــاهُ وَهــوَ مُعــذرُ
أربيعــنــَـا في تـسْـــعَ عَـشـْـرَةَ حجـَّــة .. حـقــــــاًّ لـيَـهـْـنــَـأكَ الـرَّبيـــعُ الأزْهــَـــرُ
ما كــانــتِ الأيـَّـامُ تـُسْــلـبُ بـهـْـجـَــــة .. لــَـوْ أنَّ حُـسْــنَ الـرَّوْض كــــانَ يُـعَـمَّـرُ
أوَلا تــَـرى الأشـيـَـاءَ إنْ هيَ غـُيـِّـرَتْ .. سَـمُجَتْ وحُسْـنَ الرَّوْض حيـــنَ تـُغـيـَّـرُ
يا صَاحـبَــيَّ تقـصَّـيـــَـا نـظـرَيـْـــــكـمَـا .. تـَرَيَـا وُجُـــــــوهَ الأرْض كـيـْـفَ تـَصَـــوَّرُ
تـَرَيَـا نهــَـــاراً مُـشـْـمسـاً قـــد شــابـَـهُ .. زهـْـــــــرُ الـرّبـَــــا فـكأنـَّـما هُـوَ مُـقــْـمـرُ
دُنـْـيــَـــا مَعــَــــاشٌ للــْـوَرَى حـتـى إذا .. جُـلـيَ الـرَّبـيــــــعُ فـإنـَّـما هـــيَ مـَـنـظـــرُ
أضْحَتْ تصُـوغُ بطـونـُـــهـا لـظهورها .. نـــَــوْراً تــكــَادُ لــَــهُ الـقـلــُـــوبُ تـُنـــّـوِّرُ
منْ كــُـلِّ زاهــرَةٍ تـرَقـــْرَقُ بالـنــَّـــدَى .. فـكـأنــَّــــــها عَــيـْـــنٌ عـلـيـــْـــهِ تـحَــــــدَّرُ
تـبـْـــدو وَيَـحـْجُـبـُــها الـجَـميـمُ كـأنـَّها .. عَـــذرَاءُ تـبـْـــدُو تـــَـــــارَة وتـخـفــَّــــــــرُ
حـتى غـَــدَتْ وَهَـــــدَاتـُـها وَنـجَــادُهـا .. فـئـتـيـْــــن في خـِـلــَع الـرَّبـيــع تبـَخـتــــرُ
مُصْـفــَـــرَّة مُحْـمَــــــرَّة فـكــأنــَّـهـــــــا .. عُـصَـبٌ تـَيـَـمَّــــنُ في الـوَغــى وتــَمَـضَّـــرُ
منْ فـاقـــــع غـَـضِّ الـنـَّبــَــاتِ كـأنــــَّهُ .. دُرٌّ يُـشـَـقــَّـقُ قــبـْــــلُ ثـــــــــمَّ يُـزَعْــفــَـــرُ
أوْ سَـاطـع فـي حُـمْــــــــرَةٍ فـكـأنَّ مـَـا .. يَـدْنـُــــو إلـيـْـهِ منَ الـهَـــوَاءِ مُعَـصْـفــَـــــرُ
صُـنـــْــعُ الـذي لــَـوْلا بـدَائــع لــُطفــهِ .. ما عــَادَ أصْـفــَرَ بـعـْــــــدَ إذ ْ هُـوَ أخـضـرُ
خـُـلــُـقٌ أطــَــلَّ منَ الـرَّبـيــع كـأنـــَّـــه .. خــُـلــُقُ الإمـــَــام وَهـَـدْيـُـــــــهُ الـمُـتـيـسِّــرُ

إنه على الرغم من طرافــــة وصف أبي تمام للطبيعة بهذه الصور الطريفة فإنه لا يجمل بنا أن نغفل
فضل مُسلم بن الوليد في هذا النطاق ، لأنَّ أبا تمام مُتأثر به كل التأثر في هذا الاستهلال ، وقد سلف
أنه لم يكن يفارق ديوان شعر كل من مسلم وأبي نوَّاس .

في شـعْـر الـحـرْب :

وأبو تمام أوَّل من وصف معركة حربية حقيقية وبدا في شعره بحيث كأنه خاض غمارها واكتوى
بأوارها وباشر الحرب والضرب والطعن والكـرِّ والـفرِّ ، إنها ليست معركة عمورية التي خاضها
المعتصم، ولكنها معركة باكـرة من تلك المعارك التي خاضها المأمون في بلاد الـرّوم غازياً فاتحاً
ومُؤمِّناً للحدود وبانياً للحصون ، لقد كان أبو تمام آنذاك صغير السِّـنِّ غضّ الإهاب ، ولـقد أراد أن
يُـنشد قصيدته هذه بين يدي المأمون وهـو في طريقه إلى بلاد الرّوم ولكنه لم يستطع الوصول إليه
فكأنَّ أبا تمام قد بنى قصيدته هذه على سبيل التخيل والتفاؤل بنصر الخليفة ، وأبــو تمام من الحـذق
بحيث يجعل للقصيدة تصميماً ومنهجاً ، فهو يبدأ بالإلمام بالدمن والأطلال ويُـتبع ذلك بنسيبٍ رقيق
وقلما عهدنا هذا اللون من الرِّقـة عند أبي تمام ، ثمَّ يخلص بعد ذلك إلى مدح المأمون ، ثمَّ يصفُ بعد
ذلك الجيش وصْفَ منْ لهُ بالحرب عهدٌ وممارسة ، ومن خلال وصف الجيش يصفُ الخيـْــل ، ثمَّ
ينطلقُ بعدَ ذلك إلى وصف المعركة وصْفـاً دقيقاً ، وما قد وقعَ على الأعداءِ من هزيمة واستسلام .

على أنه لا ينبغي أنْ يغيب عن بالنا أنَّ مسلم بن الوليد قد ألمَّ بالكثير من معاني الحرب
وعالجها عــلاجــاً بارعاً في قصيدتــه اللاميَّـة التي مدح بها يزيد بن مزيد ، إنَّ كلا ً من
مسلم وأبي تمام قد عرض لشعر الحرب ، غير أنَّ مسلماً له في مقام صفـاتِ الفروسيـَّـة
التي خلعها على يزيد ، وأما أبو تمام فلقد أنشأ قصيدته والمأمون يخوض معركة فعلية
ومهما يكن من أمر فأبو تمام تلميذ في هذا الفنِّ لأستاذه مسلم ، وإنْ كان قد فاقهُ وزاد عليه .

من بريدي...